لا أيتامَ في الثورة

صادفت نهاية الأسبوع الفائت ذكرى ميلاد الثائر البوركينابي توماس سانكارا الذي اغتيل عام 1987 عقب انقلاب قام به حليفه السابق بليز كومباوري. في هذه المناسبة، كَثُرَ رواج اسم سانكارا على المنصات، أو بعض القنوات على المنصات، وروّجت منصة الفيديو المتدفّق «مينز تي في» (Means TV) لفيلم بعنوان «أيتام سانكارا». تتخصّص هذه المنصّة بالأفلام والمسلسلات والبرامج «الملتزمة». لم يعد يستخدم مصطلح «الالتزام» في الفنون في زمن «الاستزلام» لأمثال تركي الشيخ وأصحاب مفاتيح صناديق سوروس وفورد والـ«شتيفتونغات». لمن لا يذكر ما الذي كان يعنيه مصطلح «الفنّ الملتزم»، الالتزام هنا سياسي ووطني بالقضايا التي تعني الشعوب وتحرّرها من مستعبديها. وبما أنّ الجميع شاهد كل ما يستحقّ المشاهدة على منصة «نتفليكس» وتمّ تشرُّب كل ما يمكن تشرّبه من بروباغندا هوليوود، يُنصح بإلغاء الاشتراك على تلك المنصة وتحويله إلى منصة «مينز تي في» للاطّلاع على وجهة نظر أخرى على الأقلّ. بالعودة إلى «أيتام سانكارا»، يروي الوثائقي قصّة 600 طفل يتيم من بوركينا فاسو (وتعني أرض الاستقامة)، أُرسلوا في عهد سانكارا للدّراسة في مأوى الثوّار في كوبا. يستذكر من شارك في هذه البعثات كيف كانت الأجواء في كوبا الثمانينيات لتلاميذ مدارس اجتمعوا من كل حدب وصوب ولا مكان ولا وقت لهم للإحساس باليتم. التعليم في «فولتا العليا الفرنسية» كما كان يسمّيها المستعمر الفرنسي لم يكن ترفاً، إذ إنّه لم يكن موجوداً أصلاً وكانت نسبة القدرة على القراءة والكتابة عند السكان أقلّ من عُشرهم. أتى سانكارا إلى الحكم ولقّح ملايين الأطفال الذين لم يكن ليصلوا إلى سنّ التعليم من دون اللقاح، وبنى المدارس وشارك المرأة في صنع القرار ووزّع أراضي الإقطاع على المزارعين وأمّم موارد البلاد ورفض التعاون مع صندوق النقد الدولي، ثمّ اغتيل كما جرت العادة في كثير من هذه الحالات في دول الجنوب. ما حدث في بوركينا فاسو من بعد سانكارا هو شبيه بما حدث في دول عدة بدّل فيه الاستعمار أدواته، ومنها دول منطقتنا، فاستلم خليفته وألغى كلّ السياسات الثورية والتحرّرية التي كان قد طبّقها سانكارا والتزم بما يريده الأسياد الأوروبيون، وحكم البلاد قرابة الثلاثة عقود من الزمن على راحته.
لم تكن أول ثورة تخمد ولا الأخيرة. وحالة اليتم التي شعر بها البعض في بوركينا فاسو اختبرها كثيرون قبلهم في أفريقيا كما في أميركا الجنوبية، التي شهدت وتشهد أكبر عدد من الانقلابات الأميركية والمحاولات الانقلابية الدائمة. عندما تخمد الثورة، يسكن لهبها ويبقى جمرها. إذا نظرنا اليوم إلى منطقة الساحل الأفريقي الممتدة من حدود السودان شرقاً إلى موريتانيا غرباً، والتي تشكّل بوركينا فاسو إحداها، نرى الكثير من المناطق الساخنة. المنطقة التي سيطر عليها وعلى مواردها تاريخياً الاستعمار الفرنسي بعملائه وشركاته ومؤسساته وعملته المفروضة، ترى اليوم تنافساً على النفوذ في بعضٍ من أراضيها، وتحرّراً من قيود الاستعمار وطرداً للفرنسي في البعض الآخر. لم يعد «أيتام سانكارا» إلى الحكم في بوركينا فاسو فحسب، بل تبيّن أنهم ليسوا أيتاماً إذ شمل المدّ التحرّري مالي والنيجر المجاورتين، وشكّلت الدول الثلاث حلفاً لصدّ محاولات العبث ببلادها القادمة حتماً.
في بلادنا أيتام بعشرات الآلاف جرّاء حرب الإبادة الاستعمارية القائمة على غزة ولبنان. وهناك حالة يُتم عامة بخسارة قيادات مقاوِمة بحجم الشهيدين السيد حسن نصرالله والمشتبك يحيى السنوار. لكنّ هناك أيضاً حالة «التزام» غير مسبوقة بمقاومة وحوش الاستعمار. سيحدث الكثير في بلادنا في الأيام القادمة، ولا نتحدّث عن رئاسة ووزارة في لبنان، وسيتغيّر الكثير في العالم. لكن الثابت هو من التزم، ومن التزم ليس يتيماً.
* من أسرة «الأخبار»
